محمد أبو زهرة

1247

زهرة التفاسير

العذاب بعدة تأكيدات ، أولها : بنسبة التعذيب إليه ، وهو القوىّ القهّار الغالب على كل شئ ، وفيه إشعار بعدالة العذاب عدالة مطلقة ، وثانيها : بالتأكيد بالمصدر ، وثالثها : بالوصف بالشدة ، ورابعها : بعدم رجائه إنهاءه أو إزالته ؛ إذ لا يوجد لهم من ناصر ؛ ولذا قال سبحانه : وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ وهو نفى مؤكد مستغرق ، أي ليس لهم من ناصر أيا كان هذا الناصر ، وأيا كانت نصرته ، ولو كانت ضئيلة . ولقد ذكر أن العذاب في الدنيا . وفي الآخرة ؛ أما عذاب الآخرة فالأمر فيه إلى اللّه تعالى العلى القدير ، وأما عذاب الدنيا بالنسبة لمن كذبوا المسيح من اليهود فهو هذه الذلة والتفريق في الأرض ، ومهما يحاول الكافرون أمثالهم لهم من معاونة فإن حبلها مقطوع بعون اللّه تعالى العلى القدير وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) [ الشعراء ] وأما النصارى فإن العذاب الذي هم فيه يبدو للناظر الفاحص من اختلافهم فيما بينهم ، وتفرقهم أحزابا وشيعا ، وجعل بأسهم بينهم شديدا ، وهذه هي الحروب بينهم مستمرة مفنية مدمرة ، وأي عذاب أشد من هول الحروب التي وقعت بينهم في الحربين العالميتين السابقتين ! ! فكم من دماء أهرقها أولئك الذين كفروا بالمسيح فيما بينهم ، وأي ذرية أبادوها ، وكم من العمران خربوه ! ! ولا يدرى إلا اللّه ما سيكشف عنه المستقبل من عذاب شديد يعده بعضهم لبعض ، حتى يصيروا في نهايتهم بورا . وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ هذا هو الجزء الثاني من الحكم وهو جزاء الذين آمنوا ، وقد ذكر جزاءهم الحكيم العليم بأنه يوفيهم أجورهم أي جزاءهم على ما قدموا من أعمال استحقوا عليها ذلك الجزاء ، وهو النعيم المقيم ؛ وقد جعل ذلك الوفاء وهذا الجزاء مبنيا على أمرين ، أحدهما : إيمان صادق ، والثاني : عمل صالح ، فهما اللذان نيط بهما الجزاء ، وفي الحق إن الإيمان الصادق يتبعه العمل الصالح ، وليس بمؤمن حق الإيمان من يتخلى عمله عن اعتقاده ، ولم يذكر سبحانه وتعالى نعمته في ثوابه ، وهو المنعم دائما المتفضل بالثواب ؛ للإشعار بأن إنعامه سبحانه منوط بعمل ،